قضية الانتحال بين الأدب والقانون
مع تطور الحياة واستقلال الدول العربية، اهتمت الأمم المتحدة في حماية الحقوق الفكرية، وإن جاز لنا القول بأن العرب قد يكون لهم فضل السبق في هذا المجال، لحرصهم على علم الإسناد فيما تواتره الخلف عن السلف من الابتكارات الأدبية، ولاسيما الأحاديث النبوية. لذلك رأينا تناول قضية انتحال الشعر العربي من جانبها القانوني، وعلى وجه الخصوص الشعر النبطي لما له من أهمية ثقافية، وأبعاد تاريخية في منطقة الخليج العربي.
إن قضية انتحال الشعر العربي قضية عريقة لها بعدها الأدبي، والثقافي، والتاريخي حيث أن الغاية من هذه القضية هي التشكيك في صحة الشعر العربي السابق للتدوين من حيث نسبته إلى غير صاحبه بغض النظر عن الأسباب الدافعة للقيام بهذا الفعل، وهذه التهمة لم تنسب فقط إلى الشعر العربي، بل نسبت للعديد من النصوص الأدبية السابقة للتدوين. تجدر الإشارة إلى أن قضية الانتحال لازالت مستمرة حتى بعد التدوين، فقد يدرج الراوي زيادة بالنصوص الأدبية أو ينسبها إلى غير شاعرها لمقاصد يبتغيها، ونرى أن قضية انتحال الشعر العربي هي أساس جريمة السرقة الأدبية، وتأسيساً على ذلك سوف نتطرق في معرض حديثنا عن قضية انتحال الشعر العربي إلى سرقة ذات النصوص الأدبية، ثم سرقة فكرة النصوص الأدبية، ثم توارد الخواطر أو ما يسمى بوقع الحافر بالحافر على سبيل التبسيط وتبيان أحكامها في النظام السعودي.
الوصف القانوني للسرقة الأدبية
عندما يحل الحديث عن الانتحال الأدبي، غالبا ما يتبادر إلى الذهن السرقة الأدبية باعتبارها الوصف القانوني المناسب، وسرقة القصائد عرفت عند العرب قبل الإسلام ولعل في قول طرفة بن العبد شاهد على ذلك، لما قال:
“ولا أغير على الأشعر أسرقها
عنها غنيت وشرّ الناس من سرقا”
ويتحقق هذا الفعل الإجرامي عندما يتحقق الاعتداء على حق الأبوة للشاعر؛ أي ينسب شخص قصيدة كاملة أو جزء منها مما كتبها غير إليه بغير وجه حق. هذه الصورة تكاد تجمع التشريعات المقارنة على تجريمها بما في ذلك اتفاقية برن الدولية، حيث كفلت حماية الحقوق الأدبية للمؤلف -الشاعر-بما فيها حق الأبوة. شريطة ألا يشفع هذا التصرف بمسوغ مشروع، كسبق بيع المصنف -القصيدة-أو التنازل دون مقابل. ولعل أبرز مثال يستشهد به من الشعر النبطي هو بيت للشاعر السعودي محمد الدحيمي، حيث أن العديد من الشعراء ينسب هذا البيت لنفسه، بل يكاد يصعب إحصائهم. ويقول الدحيمي:
“تكفى ترى تكفى تهز الرجاجيل
ولو لا صروف الوقت ما قلت تكفى”
الاستثناءات القانونية للاقتباس
على أية حال لا تكون وفاة الشاعر مسوغا لسرقة قصائده؛ لأن هذه الحقوق -حقوق المؤلف-تنتقل إلى ورثته، فإن لم يكن له ورثة آلت إلى الجهات المختصة. بيد أن صعوبة إثبات ملكية القصيدة خصوصا إذا سرقت قبل نشرها، يزيد الموضوع تعقيداً. من يقدم على هذا الجرم يعرض نفسه إلى عقوبة مالية قد تصل مائتين وخمسين ألف ريال، أو السجن لمدة تصل ستة أشهر، أو كلاهما، بالإضافة إلى العقوبات الأخرى الواردة في النظام. هذا وقد وردت استثناءات مثل الاقتباس و يكون بما جرى عليه العرف الشعري والذي يقضي بحدود بيتين لا أكثر، ومن أمثلة اقتباس أبيات شعرية للغير وتضمينها في قصيدة جديدة ما قاله الشاعر محمد بن فطيس المري:
“ما نيب من يأتي ولا يدرابه
شطر حفظته ولا أدري من كتابه”
فالشاعر هنا أقتبس شطر وهو :”ما نيب من يأتي ولا يدرى به” وأشار إلى أنه لا يعرف قائله وهذا من باب الذمة الأدبية.
الحماية القانونية للصورة الشعرية
أما بالنسبة لسرقة الفكرة الشعرية أو المعنى المقصود من القصيدة فهذا دراج بين الشعراء منذ العصر الجاهلي، والحقيقة لا يشكل هذا الفعل جريمة بحد ذاته؛ إذ أن قوانين الملكية الفكرية المقارنة وعلى رأسها اتفاقية برن لا تسبغ الحماية على الأفكار مالم تتحول إلى صورة شعرية مبتكرة، وبالتالي قد يستلهم الشعراء من قصائد غيرهم، فيكون للأول فضل السبق وللأخير فضل الزيادة، وأحيانا يفشل الشاعر في مضاهاة قوة البدع الأول، ولكي تتضح الصورة نستشهد ببيت بشار بن برد القائل:
“من راقب الناس لم يظفر بحاجته
وفاز بالطيبات الفاتك اللهج”
وبنفس الفكرة نظم الشاعر سلم بن عمرو بن حماد، قائلاً:
“من راقب الناس مات هماً
وفاز باللذة الجسور”
ولعل ابن عمرو نال فضل الزيادة، بل خلد بيته إلى يومنا هذا وأصبح من أمثال العرب وعيون الشعر العربي. كذلك قول أبو نواس:
“دارة على فتية دان الزمان لهم
فما يصيبهم إلا بما شاءوا”
وقد قال في هذا السياق ابن الرومي بيتاً يضاهيه جزالة، ونرى أنه أجمل مما قال أبو نواس في وصف القدر، يقول ابن الرومي:
“والناس يلحون الطبيب وإنما
خطأ الطبيب إصابة الأقدار”
ومن الشعر النبطي ما قاله الأمير عبيد العلي ال رشيد الشمري :
“شوري عليك عن المغازي والانكاف
ترى زوال النمل سعيه بتطيير”
حيث تمثل الشاعر المعاصر خلف بن هذال العتيبي على هذا المعنى قائلا:
“ما يجي للنمل ريش إلا لنفاده
ما يثبت لك فناه إلا مطيره”
أيضا ما بدعه الشاعر عبدالرحمن الدويش عندما قال:
“الباب خله للمسايير مفتوح
للمستحي والاجنبي لا يهابه”
وعلى هذا الديدان قال محمد بن شلاح المطيري:
“امل الوجار وبرهج الباب للضيف
حيث المسير يستحي لا ينادي”
وبعد استعراض هذه الأمثلة التي ذاع صيتها عند العرب في شبه الجزيرة العربية، نجد أن الفكرة واحدة ولكن الصورة الشعرية جاءت مبتكرة، وأصيلة لم يسبق عليها شاعرها، ربما كان للاحق فضل الزيادة، وربما كان للسابق فضل السبق والزيادة لقوة السبك حيث أعجز الشعراء من بعده. ونخلص إلى أن تكرار الفكرة لا يعد جرما في عرف الشعراء ولا في حكم القانون السعودي واتفاقية برن.
فيما بتعلق بتوارد الخواطر أو وقع الحافر بالحافر، فهذا يتداخل مع الوصف القانوني للسرقة الأدبية، ولذلك رأينا أن المعيار الضابط للتمييز بينهما هو ألا يتعدى شطر واحد فقط، إما يكون صدر البيت أو عجزه. ومن النادر جداً أن يقع الحافر بالحافر على بيت شعر تام؛ كما ورد في قصة الفارس عقاب بن سعدون العواجي، حيث ثبت جليا التباين الزماني والمكاني بين الشاعرين، لذلك يعد حادثة شعرية لا تكرر كثيراً، وإن وقعت وجب التثبت منها وعرضها على بيوت الخبرة.
في الختام أود التقدم بمقترح لمجلس التعاون الخليجي، بإنشاء بوابة إلكترونية موحدة يلزم الشاعر بإدراج قصيدته بها قبل النشر أو الأداء العلني، ويكون عبر هذه البوابة الترخيص بإنشادها، أو غنائها، أو حتى بيعها بذلك يستطيع الشعراء إثبات ملكيتهم لقصائدهم، والحد من الخلافات الشعرية في الساحة الأدبية.
