الكواليس القانونية للعروض المسرحية : الخروج عن النص تكليف لا تشريف
المسرح هو جوهر الفن واكاديمية الممثلين حيث لا يمكن للمخرج أن يجبر عثرة الممثل أمام الجمهور، ومن جهة أخرى لا يقبل من الممثل أداء جامداً مجرد من الإحساس والتفاعل مع المتلقي، وهنا يبرز الدور الهام للمخرج المسرحي الذي تقع على عاتقه مسؤولية تقديم العمل المسرحي بالمكانة التي تليق به دون تحريف أو تشويه. لكن التطور التاريخي للأعمال المسرحية منح الممثل حق الارتجال للمحافظة على رتم الأداء المسرحي، ولعل أبرز من دافع عن هذا الحق في الشرق الأوسط هو الناقد المسرحي الدكتور محمود سعيد، والفنان الكويتي طارق العلي من خلال مصنفه المنشور تحت عنوان “ظاهرة الخروج عن النص”، والعديد من النجوم اللامعة في سماء المسرح العربي. لذلك رأيت ضرورة طرح رأي قانوني موضوعي في هذه المسألة بناء على ما قدمه أصحاب هذا الفن من وجهات نظر أدبية وفنية.
قبل البدء في التأصيل القانوني للخروج عن النص لا بد وأن نتطرق إلى طبيعة العمل المسرحي، وهو عبارة عن انتاج فكري ابداعي يعبر عنه من خلال حبكة المؤلف المسرحية التي توصل رسالته الى الجمهور عبر الحوار بين الشخصيات المبتكرة خلال الأحداث المسرحية المتسلسلة، وبمفهوم الملكية الفكرية هو مصنف أدبي يصدر مؤلفه تصريح لشخص طبيعي أو اعتباري عادة ما يكون المنتج المسرحي لعرض النص أمام الجمهور من خلال الأداء العلني للمسرحية، وبدوره يقوم المنتج بالتعاقد مع المخرج وطاقم التمثيل، والديكور والإضاءة وتوفير كل ما يلزم لبدء العروض المسرحية، وبالتالي فإن حقوق الملكية الفكرية مرهونة بتلك الاتفاقيات التي يبرمها المؤلف مع المنتج.
وتأسيساً على ما سبق ذكره، أود إيجاد قاعدة أساسية ننطلق منها في الطرح القانوني فيما يخص هذه المسألة (الخروج عن النص المسرحي)، القاعدة تقول يستأثر المؤلف وحده بحقوقه الأدبية، وعليه فإن الأصل أن المؤلف مبتكر النتاج الفكري الإبداعي المجسد في هيئة نص مسرحي هو وحده من له الحق في إجراء أي تعديل أو حذف أو إضافة على مصنفه، وبعبارة أخرى يعتبر حق المؤلف في تعديل مصنفه هو حق مقصور عليه لا يمكن التنازل عنه للغير. وبالنظر إلى الخروج عن النص المسرحي نجد أنه عبارة عن إضافات يدخلها الممثلون على النص المسرحي الأصلي، ويتصبح لصيقة به منذ أول أداء أمام الجمهور.
وهذا التعديل لا يخرج عن فرضيتين الفرضية الأولى: هي موافقة المؤلف على هذا التعديل سواء كانت الموافقة سابقة على العرض الأول أمام الجمهور، أو لاحقة عليه إذ أن المستقر عليه فقها أن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وهذه الفرضية لا ينشأ عنها إشكالا قانونيا على الإطلاق حيث يصبح التعديل مشروع ليس لأنه صدر من الممثل بصفته مؤديا للنص المسرحي إنما بصفته نائبا عن المؤلف.
أما الفرضية الثانية: هي قيام الممثل بالخروج عن النص دون الرجوع إلى المؤلف، وهذه الفرضية ترتب المسؤولية القانونية على عاتق الممثل أساسها قيامه في الاعتداء على حق المؤلف الاستئثاري في تعديل مصنفه وقد تطال هذه المسؤولية المخرج أيضاً في حال ثبت مشاركته في هذا الفعل، والمسؤولية القانونية تتجزأ إلى حق عام حيث تباشر النيابة المختصة بالملكية الفكرية التحقيق بمخالفات نظام حقوق المؤلف وسائر أنظمة الملكية الفكرية الأخرى، ومتابعة إجراءات إيقاع العقوبات النظامية المترتبة على ذلك. وحق خاص وهو حق المؤلف في المطالبة بالتعويض عما أصابه من ضرر وما فاته من كسب عبر دعوى تقام أمام المحكمة التجارية.
إذا نافلة القول إن الحق الخاص مرهون بالأثر المترتب على الخروج عن النص سواء كان ضرراً مثل إيقاف سلسلة العروض المسرحية بسبب خروج الممثل عن النص، أو نفعاً مثل زيادة الأرباح نتيجة زيادة إقبال الجمهور إلى العرض المسرحي بسبب الخروج عن النص وهو ما يعبر عنه بالكسب الفائت، وتختلف أحكام هذه المسؤولية بناء على العقود المبرمة بين المؤلف والمخرج والمنتج حسب الأحوال، و لكل عقد من هذه العقود حالة قانونية تمتاز بخصوصية الحيثيات والتفصيلات المتباينة. الجدير بالذكر أن غاية المسؤولية المدنية تدور وجوداً وعدماً بين النفع والضرر، بل يرى بعض فقهاء المسؤولية المدنية أن أساس هذه المسؤولية هي ثقة متبادلة بين الناس بعدم الاضرار بهم من قبل الآخرين، حيث أن الأصل في تصرفات الانسان السلامة ومن يدعي خلاف ذلك يقع على عاتقه عبء تقديم البينة إلى القضاء.
الخروج عن النص هو ظاهرة فنية مميزة لها جذور تاريخية ممتدة إلى عقود من الزمن، وتعكس مهارة المؤدي في قراءة الأجواء المحيطة والتدخل العاجل بجملة كوميدية أو حركة ارتجالية لتخفيف حدة التوتر أو تنشيط تفاعل الجمهور مع أحداث المسرحية، والعديد من النجوم الساطعة في الشاشة العربية انطلقت مسيرتهم الفنية من خلال ارتجال مسرحي ما، لذلك برزت بعض آراء المختصين في مجال حقوق الملكية الفكرية بالاعتراف بمشاركة المؤدي بملكية حقوق العمل المسرحي الفكرية متى ما اتسمت بالابتكار والتميز، بيد أن هذا التوجه محكوم بطبيعة التصرفات القانونية في الكواليس. لا يخفى على متتبع أن بعض الأعمال المسرحية تستضيف نجوم شرف وعادة ما ينتج عنه استقطاب شريحة كبيرة من الجمهور، هذا التصرف بحد ذاته قد ينعكس سلباً أو إيجاباً على سمعة العمل المسرحي التي تحميها تشريعات الملكية الفكرية وتجعل لصاحبها الحق الاعتراض على كل تصرف يؤدي إلى الإضرار بها.
إن الكواليس القانونية للعروض المسرحية متشعبة ومتعددة وتزداد تعقيداً كلما تحولت إلى النقل التلفزيوني، وشاعت بين الناس عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتكسب بعض المدونين من وراء الفيديوهات القصيرة التي ينشرها للعروض المسرحية، وقد يظن البعض أن موافقة الممثل أو المنتج تعفي من المسؤولية، والحقيقة أن موافقة مؤلف العمل المسرحي هي أساس لأن حقوق المنتج والممثل قد تكون مستمدة من تصريح مقيد لا تجيز مثل هذه الموافقات، مع الأخذ بعين الاعتبار سياسات الخصوصية والملكية الفكرية التي تضعها بعض منصات التواصل الاجتماعي ويوافق عليها المستخدم قبل تفعيل حسابه في تلك المنصات. من المبادرات الجميلة التي تحوكم عملية الاستئثار بحقوق الملكية الفكرية للأعمال المسرحية قيام بعض الفنانين بوضع منصات خاصة بهم لنشر أعمالهم وتتبع أخبارهم وحجز التذاكر للعروض المستقبلية، إلا أن ذلك لم يغني عن التواجد على المنصات الاجتماعية الأخرى والإذعان للشروط والسياسات التي لا تقبل التفاوض، فبالرغم من سعت الفضاء الرقمي ومرونة النشر الالكتروني لا تزال ثقافة التفاوض على حقوق الملكية الفكرية غير شائعة بين رواد الفضاء الرقمي.
