أزمة النفط بين الجذور والرعب (2)
قبل أن أبدأ الحديث عن تصفية العقود الآجلة، واستكمالاً لحديثنا عن العقود الآجلة وأزمة النفط، أود أن أدعو الله عز وجل أن يرفع الكرب عن الأمة، وأن يحمينا من سائر الأمراض، سواء التي نعلمها أو التي لا نعلمها.
وقد أشرنا سابقاً إلى أن العقود الآجلة من حيث تصفية مراكز المتعاقدين تتمثل في ثلاثة أشكال: الطريقة الأولى هي تنفيذ العقد الآجل كما هو عند حلول تاريخ استحقاقه، أما الطريقة الثانية فهي تصفية العقد الذي انتهى بعقد معاكس، وهو محور حديثنا اليوم.
ونقصد بالعقد المعاكس أن يقلب المتعاقد وضعه في العقد السابق بعقد لاحق، ويبدو لنا أن الغرض من العقد هو التحوط ضد الخسارة المادية المحتملة نتيجة لتقلبات الأسعار. والفكرة الأساسية هي تثبيت سعر الأصل موضوع العقد في المستقبل. حتى يتمكن المتعاقدون من تحديد مراكزهم المالية والتحكم في النفقات المستقبلية بما يخدم ميزانياتهم العامة.
وفي جانبها العملي تعتمد هذه العملية على موقع المتعاقد في العقد سواء كان بائعاً أم مشترياً، وتفاصيلها على النحو التالي:
وأما البائع في العقد الآجل بصيغته الأساسية، فإنه مسئول عن تسليم السلعة المبيعة وتصفية مركزه في العقد، ولكن عليه أن يبذل الجهد الدؤوب للتحوط والسيطرة على الخسارة، فيجد وسيلة أخرى لتقليلها بإبرام عقد معاكس يطابق العقد الأول من حيث الكمية والمنشأ وتاريخ التسليم، ولكنه يختلف عنه من حيث الثمن، فيكون بسعر السوق وقت التعاقد.
وهذا الوصف يؤيد فرضيتين: الفرض الأول أن البائع لا يملك المبيع وقت العقد المؤجل (العقد الأصلي)، والفرض الثاني أن البائع يملك المبيع وقت العقد، ولكنه رأى أن علامات خسارته بدأت تظهر عليه، أو أن ربحه الحالي يكفيه ويريد تأمين هذا الربح.
أما الفرض الأول فهو محل خلاف فقهي في الوصف الشرعي له، فبيع مال الغير في الفقه الإسلامي يعرف ببيع الفضالة، وهناك بيع ما لا تملكه، والسمة المميزة بين هذين النوعين من البيوع أن بيع الفضالة يقوم على التصرف في مال يملكه غيره، إما لمنفعته الخاصة أو لمصلحة صاحب المال، فيعلم صاحب المال، وبذلك يرتفع الجهل بالعين المبيعة، وأما بيع ما لا تملكه فهو يقوم على أساس مختلف، فالبائع هنا لا يملك العين المبيعة، ولا يعلم بها قبل أن يطلبها المشتري، أي قد يطلب المشتري صاعاً من قمح، أو قد يطلب أواني الطبخ، أو قد يطلب دابة يركبها، ونحو ذلك، فيتعاقد معه البائع على ثمن معين، ثم يذهب إلى السوق ليشتريها ويسلمها إليه. وهذا ما تضمنه النهي فيما روي عن حكيم بن حزم -رضي الله عنه- قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني بيعاً ليس عندي، فأبيعه منه، ثم أشتريه له من السوق. فقال: لا تبع ما ليس عندك. رواه أبو داود، وقد ورد هذا الحديث من طرق متعددة، منها ما هو غير منقطع. وقد أورد البخاري حديثاً في هذا الباب -بيع ما ليس عندك- رواه ابن عباس رضي الله عنهما، حين قال: (وأما ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو طعام يباع حتى يؤخذ، قال ابن عباس: لا أعتبر كل شيء إلا مثله) رواه البخاري. “يظهر لنا أن كلمة (عليك) تعني الحيازة والاستيلاء، لا إثبات الملكية في الدين، كما يدل على ذلك قول ابن عباس: (ولا أرى كل شيء إلا مثله)؛ فمثلاً يجوز لصاحب الوديعة التصرف فيها بإذن سابق أو بإذن لاحق بحسب الأحوال، ولا تبقى ملكية الوديعة في يده، كما تبقى الحيازة في يده، ولكنه في تصرفه ينزل إلى مرتبة الفضولي ما لم يأذن له، فيكون كالوكيل.”
أما الافتراض الثاني وهو المتعلق بتأمين الربح أو الحد من الخسارة وهو الدافع المشترك بين المتعاملين في العقود الآجلة فهذا هو طبيعة إبرام عقدين مختلفين في طبيعتهما وثمنهما ومتماثلين في القيمة والتاريخ والكمية وهذا عقد منفصل عن العقد الأول ولكن يجب أن نفرق بين افتراضين: أن البائع يملك السلعة المبيعة فيكون العقد اللاحق استثمارا فيها مختلفا عن العقد الأول أما إذا كان عقد الشراء اللاحق لعقد البيع يقصد به توفير السلعة المتفق عليها في البيع الأول فهذا محل شك وريبة وأما المشتري فحالته كحال البائع إذا أبرم عقد بيع لاحق قبل القبض إلا إذا كان عقد البيع المؤجل يعتبر سند تنفيذي يمثل نفس المبيع وهنا نفرق بين حالتين:
– إذا تم البيع قبل التصفية فيتم مراعاة قاعدة المقاصة.
– إذا تم البيع أثناء التصفية اعتبر ذلك نقلاً للحق.
ونتوقف عند هذه النقطة على أمل أن نلتقي بكم لاحقا إن شاء الله لاستكمال موضوع إنشاء العقود الآجلة، سائلين الله عز وجل أن يحفظكم من كل مكروه، ولا تنس عزيزي القارئ أن التزامك بالتعليمات الوقائية واجب وطني لا يجب أن تقصر فيه.
