تحديات الثورة الصناعية الرابعة

تحديات النهضة الصناعية الرابعة (4IR) على العقود والمعاملات الدولية في القطاع الصناعي: قراءة تحليلية مفصلة لتأثيراتها القانونية على التنمية المستدامة

منذ القرن الثامن عشر شهد العالم العديد من النقلات الصناعية النوعية بدء من الآلة البخارية وصولا إلى الذكاء الاصطناعي مصحوبة بالعديد من التحديات العالمية مما يدعو إلى أهمية وجود استجابة دولية منسقة، في هذا السياق، أطلقت الأمم المتحدة “الميثاق الرقمي العالمي” (Global Digital Compact) كمبادرة استراتيجية تهدف إلى وضع إطار قانوني وأخلاقي مشترك لتنظيم الفضاء الرقمي وضمان الاستخدام المسؤول للتقنيات الناشئة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. يأتي هذا الميثاق استجابةً للفجوات التشريعية المتزايدة، وتنامي المخاطر المرتبطة بالخصوصية، والتمييز الخوارزمي، وتحديات الشفافية والمساءلة، إضافة إلى الحاجة الملحة لتعزيز العدالة الرقمية وحماية حقوق الإنسان في البيئة الرقمية.

وانطلاقا من دور شركة إنترناشونال أدفايزرز الاستشاري وتماشيا مع مشاركتنا في قمة الصناعة العالمية 2025 م ، سنستعرض معكم في هذه المقالة أبرز التحديات القانونية ونعرض توصياتنا تجاه كل تحد على حده وفق التفصيل التالي :

لمحة تاريخية عن النقلات النوعية  في قطاع الصناعة على الصعيد العالمي:

الثورة الصناعية الإطار الزمني التقريبي التقنية المهيمنة / المبدأ الانعكاس القانوني المباشر
الأولى (1IR) 1760 – 1840 م البخار والميكنة. تأسيس قوانين العمل (Labour Laws) لحماية العاملين وتنظيم بيئة المصنع.
الثانية (2IR) 1870 – 1914 م الكهرباء والإنتاج الضخم. نشأة قوانين مكافحة الاحتكار (Antitrust) لتنظيم الشركات العابرة للحدود وقوانين سلامة المنتجات.
الثالثة (3IR) 1950 – 2000 م الإلكترونيات والأتمتة الرقمية. ظهور قوانين التجارة الإلكترونية، وحماية البرمجيات (كجزء من الملكية الفكرية)، والتشريعات الأولية للخصوصية.
الرابعة (4IR) 2010 م – حتى الآن الأنظمة السيبرانية-المادية والاستقلالية (AI/IoT). الحاجة إلى إعادة تعريف المسؤولية، والملكية الفكرية للمحتوى الذي يُنشئه الذكاء الاصطناعي، وتوحيد حوكمة البيانات.

أبرز التحديات القانونية للنهضة الصناعية الرابعة :

تُعد مسألة تحديد المسؤولية القانونية في الأنظمة الذاتية من أبرز التحديات التي تواجهها التشريعات الحديثة، إذ يصعب تحديد الجهة المسؤولة عن الأضرار الناتجة عن قرارات الذكاء الاصطناعي، خاصة في الأنظمة المعقدة أو التعاونية التي تتداخل فيها أدوار متعددة بين المطورين والمستخدمين والأنظمة نفسها. هذا التعقيد يفرض ضرورة تطوير أطر قانونية جديدة تستوعب طبيعة هذه الأنظمة وتُحدد المسؤوليات بوضوح.

في المقابل، تبرز حماية الخصوصية كقضية محورية في ظل تدفقات البيانات عبر الحدود، حيث تختلف معايير حماية البيانات من دولة لأخرى، مما يصعّب مراقبة حركة البيانات في بيئة رقمية مفتوحة وعابرة للحدود. كما أن التحيزات الخوارزمية تمثل تحديًا أخلاقيًا وتقنيًا، إذ تتطلب تطوير آليات فعالة لرصدها وتصحيحها، بما يضمن العدالة وعدم التمييز في نتائج الأنظمة الذكية.

أما على الصعيد التنظيمي، فإن تحقيق الشفافية في الأنظمة المعقدة، مثل تلك التي تعتمد على الشبكات العصبية العميقة، يظل أمرًا بالغ الصعوبة، مما يحد من قدرة الأفراد على فهم القرارات التي تؤثر في حياتهم. ويُضاف إلى ذلك تحدي توحيد المعايير القانونية عالميًا، في ظل تباين التشريعات الوطنية وصعوبة مواءمتها مع المعايير الدولية، لا سيما في الدول النامية أو تلك التي تفتقر إلى بنى تشريعية متقدمة.

كما تشكل الملكية الفكرية تحديًا متزايدًا في بيئة الذكاء الاصطناعي، حيث يصعب تحديد الحقوق المتعلقة بالمخرجات التي تنتجها الأنظمة الذكية، خاصة عندما تكون هذه المخرجات إبداعية أو ذات طابع فني أو أدبي. فالسؤال حول من يمتلك حقوق التأليف—المطور، المستخدم، أم النظام ذاته—لا يزال محل جدل قانوني وأخلاقي. كما أن استخدام البيانات المحمية بحقوق النشر لتدريب النماذج يثير إشكاليات تتعلق بالإذن، والنقل العادل، والتعويض، مما يستدعي تطوير أطر قانونية جديدة توازن بين الابتكار وحماية الحقوق الأصلية.

التوصيات القانونية المطروحة للنهضة الصناعية الرابعة :

أولاً – لا شك أن أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي تدور وجوداً وعدماً مع الانتاجات الأدبية والصناعية والفنية ، وإذ كان النهج المعاصر لمكاتب الملكية الفكرية في مختلف الاختصاصات القضائية هو اصدار أدلة إرشادية وغياب النص القانوني الملزم الذي يمكن من خلاله تنظيم هذه المخرجات بما يترتب لها من حقوق وما يثقل عاتقها من التزامات نوصي بحوكمة استخدام البيانات في العقود الدولية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من خلال تعريف ملكية طبقات البيانات وحدود ترخيص استخدامها  (Data Layers): (1) بيانات التدريب (Training Data)، (2) الخوارزمية (Algorithm) نفسها، و (3) الناتج النهائي (AI Output). وإن إغفال مثل هذه البنود التعاقدية يُؤدي إلى منازعات خطيرة حول توزيع الأرباح والتعويض في حالة حقوق الملكية الفكرية المشتركة.

ثانياً  فيما يتعلق بتحديد المسؤولية والتعويض في الأنظمة المستقلة (Product Liability) فنرى ضرورة التفريق بين التسبب في إيجاد الضرر وبين مباشرة الضرر إذ أن المباشر وهو الشخص الذي صدر منه الفعل المؤدي إلى الضرر دون واسطة، كمن كسر زجاجًا بيده، أو قتل شخصًا بسلاح وأما المتسبب هو من هيأ السبب دون أن يباشر ، ونلاحظ أن الذكاء الاصطناعي يقوم على مبدأ بيانات التدريب ، وخوارزمية المعالجة وهنا تدور المسؤولية وجوداً وعدماً معا المؤثر الأقوى وعليه نوصي باعتماد إطار مسؤولية متدرج (Layered Liability Framework) يُراعي تفاوت الأدوار والمخاطر والمكاسب في منظومة الذكاء الاصطناعي، بحيث تُوزع المسؤولية القانونية بشكل عادل وواقعي بين الأطراف المعنية—من مطورين، ومزودي البيانات، ومشغّلين، ومستخدمين نهائيين. يقوم هذا الإطار على مبدأ التناسب بين درجة السيطرة على النظام وحجم المكاسب المتوقعة من استخدامه، مقابل مستوى المخاطر المحتملة على الأفراد والمجتمع. فكلما زادت قدرة الطرف على التأثير في تصميم أو تشغيل النظام، أو استفاد ماليًا منه، زادت مسؤوليته القانونية عن الأضرار الناتجة. ويتيح هذا النموذج المرن معالجة الفجوات في المسؤولية، خاصة في الأنظمة التعاونية أو متعددة الأطراف، ويعزز مناخًا من الامتثال الوقائي والابتكار المسؤول.

ثالثاً  بالنظر إلى التحديات المتزايدة التي تفرضها البيئة الرقمية المعاصرة، تبرز مسألة حوكمة البيانات الصناعية ونقلها عبر الحدود (Data Governance) كأحد المحاور الجوهرية لضمان السيادة الرقمية وحماية المصالح الوطنية. وفي هذا السياق، نثمّن التوجه الذي تبنّته بعض الاختصاصات القضائية حول العالم، والمتمثل في سنّ تشريعات صارمة تنظم الوصول إلى البيانات وتقيّد نقلها خارج الحدود، بما يحقق التوازن بين الانفتاح الرقمي وحماية الأمن السيبراني والخصوصية. ومن هذا المنطلق، نُشيد بالجهود الرائدة التي تبذلها حكومة المملكة العربية السعودية، ممثلةً في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والتي أسست إطارًا متينًا لحوكمة البيانات الوطنية، إلى جانب الدور المتنامي الذي تضطلع به هيئة الحكومة الرقمية في تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، بما يضمن توافقه مع أعلى المعايير الأخلاقية والتقنية، ويعزز من مكانة المملكة كمركز إقليمي رائد في مجال الاقتصاد الرقمي والتحول التقني المستدام.

Khalaf Bandar
Khalaf Bandar
Even with all of the advances our country has made to digitize our economy and infrastructure, the legal process of joining the Saudi economy is not easy.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *