من غالي الثمن إلى غالي الثمن
إن أحد ركائز الاقتصاد الجزئي يقوم على مبدأ المنفعة الحدية، والذي يقضي بأن كمية الطلب تتناقص كلما ارتفعت مستويات تشبع المستهلك بناء على حساب تكلفة الوحدة الإضافية. وبكلمات بسيطة، ومن تراثنا العربي، قصة هارون الرشيد مع ابن السماك، حيث سئل هارون: “لو منعتك من شرب هذه الكأس فبكم تفتديها؟”، فقال هارون بنصف ملك!
قال – ابن السماك – بعد أن روى الرشيد ظمأه وأزال عنه الدم: إن منعته من الخروج فكم تفتديه؟ قال بما بقي، قال السماك: لا خير في ملك يساوي شربة ماء!
كلما كانت الحاجة ملحة زاد الطلب عليها وزادت قيمتها، وبين لقاح كوفيد وخصوصية المستخدمين تهبط أسهم الشركات وترتفع، فبعد أن كان سعر فنجان القهوة لا يتجاوز 15 ريالاً، يقترب الآن من الأربعين، نتيجة حاجة المقهى إلى التصوير وصناعة الأوقات، وتكمن المعضلة الأخلاقية الحقيقية في شكوى المستهلك من القيمة العالية التي أعطاها للمنتج، ليس هذا فحسب، بل أصبح المستهلك أيضاً يشتكي من المنتج أمام المنتج دون جدوى، ورغم تغيير سياسات الخصوصية في واتساب، لا يزال المستهلكون يشتكون من خلال تطبيق واتساب نفسه، بدلاً من استخدام أي تطبيق آخر منافس، مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود تكلفة التبديل بين التطبيقات.
لقد قادت هذه الفلسفة الاقتصادية العالم إلى عزلة دامت قرابة عام، حيث ظلت شركات الأدوية صامتة ولم يظهر اللقاح إلا في بداية القرن الحادي والعشرين، وجعلت أوسع المحيطات تضيق بحاملي الذهب الأسود في ارتباك.
إن هذه الفلسفة ذاتها تتطلب منا إعادة النظر في سلوكنا، وكبح جماح رغباتنا، ومساواة الجوهر بالمظهر، لا أقل ولا أكثر. وبدون المساهمة الإيجابية والمشاركة الفعالة من جانب المستهلكين، لن نصل إلى ميناء السوق الحرة.
