التقنية المالية في التمويل الإسلامي بين الواقع والمأمول
في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتشابك فيه المصالح الدولية، يبرز المال كأحد أبرز أدوات التأثير ومصادر القوة التي تُسهم في تحويل السياسات
إلى واقع ملموس. ولهذا، لم يعد التمويل مجرد أداة مساندة، بل أصبح محوراً رئيساً في أجندات التنمية وصناعة القرار العالمي. ومن هذا المنطلق، أولت
الدورة الحادية والعشرون لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية اهتماماً خاصاً بقضايا التمويل، مع تسليط الضوء على التمويل الإسلامي كأحد الركائز
الواعدة لتحقيق التنمية الصناعية المستدامة. وفي هذا السياق، سعينا إلى تقديم رؤى ومفاهيم جديدة في مجال التمويل الإسلامي، تعكس تطلعات المرحلة
وتستجيب لتحدياتها.
مفهوم التقنية المالية :
تعد التقنية المالية المعروفة باسم الفنتك أحد تطبيقات النهضة الصناعية الرابعة التي تجعل من التكنلوجيا المتقدمة أدوات قابلة للتداول تعزز منظومة القطاع
المالي، تقوم فكرتها الأساسية على توظيف تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، وتقنية البلوك تشين، والتطبيقات الذكية، لتقديم حلول
مالية أكثر كفاءة وشفافية وسرعة. فيمكن رقمنة الأًصول المالية وطرحها للتداول بشكل يسير بعيداً عن التعقيدات الإجرائية للسوق المالية التقليدية .
هذا وقد يتوسع البعض في تعريف التقنية المالية لتشمل تطبيقاتها مجالات متعددة مثل الدفع الإلكتروني، والخدمات المصرفية الرقمية، والتمويل الجماعي،
وإدارة الأصول، والتأمين الذكي، ومن خلال هذه المقالة سنركز على تطبيقات التقنية المالية في تيسير عمليات التمويل الإسلامي ليصبح عاملا جوهرياً في
النهضة الصناعية القادمة .
دور التقنية المالية المأمول في التمويل الاسلامي :
يقوم التمويل الإسلامي بشكل أساسي على توظيف عقود البيع والمشاركة في سبيل الحصول على السيولة النقدية عن طريق مفهوم المرابحة ويعد الرهن الأداة
الرئيسية لتتحوط في عمليات التمويل الإسلامي وتقليل المخاطر . ونرى أنه يمكن للتقنية المالية أن تصنع تحولاً جذرياً في عمليات التمويل الإسلامي من خلال
تطوير تطبيقات الشراكة التقليدية، إذ تعيد تشكيل أسس التعاون وتوزيع الأدوار بين الأطراف لتصبح أكثر مرونة وشفافية، حيث تتيح المنصات الرقمية إدارة
العمليات المالية بشكل لحظي، وتبادل البيانات بشكل آمن، واتخاذ قرارات مبنية على تحليلات دقيقة.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول انتشار التمويل الجماعي الرقمي الذي يفتح المجال أمام شراكات غير تقليدية بين أطراف لا تربطهم معرفة مسبقة وهو ما يجعل
دور رأس المال الجريء أكثر فاعلية من ذي قبل. كما تتيح أدوات التحليل المالي المشتركة إدارة المخاطر بشكل جماعي بما يتفق مع قواعد الشريعة
الاسلامية، كما تُسهم في توسع الشراكات عبر الحدود الجغرافية دون تعقيدات مصرفية أو قانونية. وبهذا، تتحول الشراكة من علاقة ثابتة إلى منظومة
ديناميكية قائمة على الابتكار والبيانات، قادرة على التكيف مع متغيرات السوق وتحقيق قيمة مضافة لجميع الأطراف.
كما يمكن للتقنية المالية تسهيل تقدير القيمة المالية للعقود والأصول من خلال أدوات رقمية متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة.
فبدلاً من الاعتماد على التقييم اليدوي أو التقديري، تتيح هذه التقنيات نماذج تقييم دقيقة تستند إلى معايير سوقية، وسجلات أداء، ومؤشرات مالية لحظية. وهذا
يسهم في تحويل العقود والأصول غير السائلة—مثل عقود الإيجار، واتفاقيات الامتياز، وحقوق الاستخدام—إلى كيانات قابلة للتقييم المالي الموضوعي، مما
يعزز من موثوقيتها في التعاملات التجارية.
وبالمقارنة مع الأسهم التقليدية التي تتمتع بسوق تداول واضح وآليات تسعير شفافة، فإن التقنية المالية تُمكّن من رقمنة الأصول غير المدرجة وتحويلها إلى
وحدات قابلة للرهن أو التداول، عبر منصات موثوقة تعتمد على العقود الذكية وسجلات البلوك تشين. وبهذا، يصبح بالإمكان استخدام هذه الأصول كضمانات
مالية في عمليات التمويل، مما يفتح آفاقاً جديدة للشركات والأفراد في الوصول إلى السيولة دون الحاجة إلى تسييل أصولهم أو اللجوء إلى أدوات تقليدية
محدودة.
تحديات التقنية المالية في التنمية الصناعية :
أبرز التحديات التي تثيرها التقنية المالية في القطاع الصناعي هو البنية المعقدة للتكامل بين الأنظمة الرقمية المالية والبنية التشغيلية التقليدية للمصانع
والشركات الصناعية. فالتحول نحو حلول الدفع الذكي، وإدارة سلسلة التوريد عبر البلوك تشين، وتمويل المعدات عبر المنصات الرقمية، يتطلب إعادة هيكلة
في الأنظمة المحاسبية، وتحديث في البنية التحتية التقنية، وتدريب للكوادر البشرية على التعامل مع أدوات غير مألوفة. كما أن الاعتماد المتزايد على البيانات
يطرح مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني، وحماية المعلومات التجارية الحساسة، خاصة في بيئات صناعية تعتمد على الملكية الفكرية والتقنيات المتقدمة.
ولتجاوز هذه التحديات، يُوصى بتبني استراتيجية مرحلية لتكامل التقنية المالية في القطاع الصناعي، تبدأ بتحديد المجالات ذات الأولوية مثل إدارة العقود أو
تمويل المعدات، ثم تطوير شراكات مع مزودي حلول فنتك ذوي خبرة في القطاع الصناعي. كما ينبغي إنشاء وحدات داخلية مختصة بالأمن الرقمي والتدريب
التقني، لضمان جاهزية المؤسسة للتعامل مع التحول الرقمي المالي دون الإخلال بكفاءة التشغيل أو سرية المعلومات. هذا النهج المتدرج يضمن استفادة
الصناعة من مزايا التقنية المالية دون الوقوع في فجوات تنظيمية أو تقنية.
